ساسي سالم الحاج
75
نقد الخطاب الاستشراقي
بالنسبة إلى العرب الذين وجدوا أنفسهم إزاء هاتين الديانتين بعيدين عن اللّه ، ومن هنا كان سعيهم إلى أهل الكتاب للتقرب إلى اللّه قدر الإمكان « 1 » . كانت لهذه الأخبار والتعاليم الدينية والشعائر والطقوس اليهودية والمسيحية أثرها في حشد قرائح نفر من العرب إلى التفكير مليّا في هذه الأمور . وطبقا للعادات العربية وأخذا بالنخوة الوطنية ، فقد امتنع هؤلاء النفر من المستنيرين عن اعتناق الديانات الأجنبية الوافدة عليهم خاصة أن بعضا منهم يرى نفسه من « الحنفاء » المنحدرين عن جدهم « إبراهيم » الذي كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين . ويضاف إلى نفور العرب من اليهود والنصارى أن هؤلاء الآخرين كانوا يحتقرون العرب ويعتبرونهم من المتوحشين الذين لا كنائس لهم تنظم أمورهم الدينية كبقية الشعوب المتحضرة . كما كانت سيطرة بيزنطة وفارس على أطراف بلادهم شديدة الوطأة عليهم . فهؤلاء الفرس يولون ويعزلون بل ويقتلون من يشاءون من الملوك من المناذرة ، وهؤلاء الروم يتبعون ذات السياسة نحو حلفائهم الغساسنة ، وما تلك الحملات التأديبية التي ترسلها هاتان الدولتان ضدهم بغائبة عن الأذهان بالرغم من الفشل الذريع الذي تمنى به في غالب الأحيان . وهذه الأمور مجتمعة وغيرها قادت العرب إلى التفكير في مصيرهم الذي تلعب به الأقدار ، وكانت تنتظر زعيما يقودها إلى طريق المجد والسؤدد ، وقد وجدت ضالتها في شخصية محمد الذي يعاني من القلق وعدم الرضى ، والذي أراد أن يعطي لوجوده معنى ، والذي رغب في أن يثأر من الأقوياء والأغنياء لمصلحة الضعفاء والفقراء . إنه يعلم مسبقا الأفكار الجديدة التي يروّج لها اليهود والنصارى ، ويتعاطف مع الاتجاهات التوحيدية ، ولكنه بقي عربيّا لا يريد الانفكاك عن إخوانه . لقد أثارته تلك التغييرات الاجتماعية التي أثارتها التحولات الحديثة في المجتمع المكي ، وأثارت حفيظته تصرفات الأغنياء والمترفين على حساب الفقراء والمعوزين . ودفعته حالته الشخصية وذكرياته المريرة عن سنوات يتمه وفقره إلى الالتحام بتلك العناصر المستضعفة ضحية هذه التحولات الاجتماعية . لقد اغتم لهذه الحوادث العظيمة التي حركت العالم وفكر فيما إذا كانت هذه الأمور من علامات قيام الساعة واقتراب يوم الحساب الكبير . وقادته هذه العوامل مجتمعة إلى الإقدام والسير قدما إلى الأمام على طريق القدرة الإلهية التي فتحت له من الآفاق التي لا يزال العالم يعيش آثارها إلى يومنا هذا .
--> ( 1 ) RODINSON , Mahomet , op . cit , p . 89 .